المقريزي
183
إمتاع الأسماع
ثم دعاهم ، وإنما حمله على دعائمهم ، أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم ، حتى نزلوا تحت الشجرة ، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة ، فأخضلت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استظل تحتها . فلما رأى بحيرا ، نزل من صومعته ، وأمر بذلك الطعام ، فأتى به وقال : إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، وأنا أحب إن تحضروه كلكم ، ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا ، حرا ولا عبدا ، فإن هذا شئ تكرموني به ، فقال رجل : إن لك لشأنا يا بحيرا ، ما كنت تصنع بنا هذا ، فما شأنك اليوم ؟ قال : إني أحببت أن أكرمكم ، ولكم حق ، فاجتمعوا إليه . وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه ، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة ، فلما نظر بحيرا إلى القوم ، ولم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده ، جعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم ، ويراها متخلفة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا معشر قريش ! لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي ، قالوا : ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالهم ، فقال : ادعوه ليحضر طعامي ، فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد ، مع أني أراه من أنفسكم ، فقال القوم : هو والله أوسطنا نسبا ، وهو ابن أخي هذا الرجل - يعنون أبا طالب - وهو من ولد عبد المطلب ، فقال الحارث بن المطلب : والله إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا ، ثم قام إليه فاحتضنه ، وأقبل به حتى أجلسه على الطعام ، والغمامة تسير على رأسه . وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا ، وينظر إلى أشياء في جسده ، قد كان [ يجدها ] عنده في صفته ، فلما تفرقوا عن طعامهم ، قام إليه الراهب فقال :